غانم قدوري الحمد
57
محاضرات في علوم القرآن
ابن شهاب الزهري ، عن عبيد بن السبّاق ، عن زيد بن ثابت أنه قال « 1 » : « أرسل إليّ أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة ، فإذا عمر بن الخطاب عنده ، قال أبو بكر ، رضي اللّه عنه ، إن عمر أتاني فقال : إن القتل قد استحرّ « 2 » يوم اليمامة بقرّاء القرآن ، وإني أخشى أن يستحر القتل بقراء القرآن في المواطن كلها ، فيذهب كثير من القرآن ، إلّا أن تجمعوه ، وإني أرى أن تأمر من يجمع القرآن . قال أبو بكر : قلت لعمر : كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال عمر : هو واللّه خير ، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح اللّه صدري لذلك ، ورأيت الذي رأى عمر . قال زيد : قال أبو بكر : إنك رجل شابّ ، عاقل ، لا نتّهمك ، وقد كنت تكتب الوحي لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فتتبّع القرآن فاجمعه . قال زيد : فو اللّه لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن . قلت : كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال أبو بكر : هو واللّه خير . فلم يزل يراجعني حتى شرح اللّه صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ، رضي اللّه عنهما . قال زيد : فقمت فتتبعت القرآن ، أجمعه من الرقاع والأكتاف والعسب وصدور « 3 » الرجال ، حتى وجدت آخر سورة التوبة لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ( 128 ) [ التوبة ] حتى خاتمة براءة ، مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ، لم أجدها مع أحد غيره « 4 » ، فألحقتها في سورتها .
--> ( 1 ) البخاري : الجامع الصحيح 6 / 89 و 6 / 225 و 9 / 92 ، والترمذي : كتاب السنن 5 / 264 ، وابن أبي داود : كتاب المصاحف ص 6 - 8 ، والطبراني : المعجم الكبير 5 / 146 - 148 ، وابن النديم : الفهرست ص 27 . ( 2 ) استحرّ معناه : اشتد وكثر . ( 3 ) ذكر ابن حجر ( فتح الباري 9 / 15 ) : أن الواو في ( وصدور الرجال ) بمعنى ( مع ) أي : أكتبه من المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدور . ( 4 ) أي لم أجدها مكتوبة مع غيره ، لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة ( ينظر : السيوطي : الاتقان 1 / 167 ) .